ترى الكاتبة كاثرين شير أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران دفعت الشرق الأوسط إلى مرحلة اضطراب واسع، حيث تتصاعد التوترات الداخلية في عدة دول بالتزامن مع توسع الصراع الإقليمي. وتشهد مجتمعات المنطقة اختبارًا صعبًا لولاءاتها الطائفية والسياسية، بينما تتزايد أعمال العنف والاحتجاجات في عدد من الدول.
ويشير تقريرها الذي نشره موقع دويتشه فيله إلى أن التوترات لم تعد محصورة في ساحة القتال المباشرة، بل امتدت إلى دول مجاورة تعاني أصلًا من انقسامات سياسية وطائفية، ما يزيد احتمالات اتساع رقعة عدم الاستقرار في المنطقة
العراق: توازن دقيق تحت الضغط
أشعل مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي موجة احتجاجات في العراق، خاصة قرب السفارة الأمريكية في بغداد. وتحولت بعض تلك الاحتجاجات إلى أعمال عنف، بينما رجّح مراقبون أن جماعات مسلحة عراقية موالية لإيران شجعت المحتجين أو دفعتهم إلى التظاهر.
ونفذت تلك الجماعات هجمات على قواعد أمريكية ومطارات في عدة مناطق عراقية، بينها إقليم كردستان شبه المستقل في شمال البلاد. كما زادت التوترات بعد تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن احتمال دعم واشنطن للأكراد الإيرانيين لإطلاق تمرد داخل إيران.
وتملك أحزاب كردية إيرانية مكاتب في إقليم كردستان العراق، وقد استهدفت إيران تلك المواقع بقصف سابق. غير أن تلك الأحزاب نفت عبور مقاتلين إلى الأراضي الإيرانية. ومع ذلك، تشير تقارير مراقبة النزاعات إلى وقوع هجمات في مناطق كردية داخل إيران استهدفت قوات حرس الحدود ومواقع أمنية، ما قد يدل على بداية حالة عدم استقرار في المناطق الحدودية.
وتضع هذه التطورات قيادة إقليم كردستان في موقف بالغ الحساسية، إذ يسعى القادة الأكراد إلى تأكيد عدم تورط الإقليم في الصراع. لكن أي اتهام بدعم تمرد داخل إيران قد يثير أزمة مع الحكومة الاتحادية في بغداد التي يضم نظامها السياسي قوى شيعية مقربة من طهران. كما قد يعيد الخلافات القديمة بين بغداد وأربيل بشأن تقاسم عائدات النفط وصلاحيات الحكم الذاتي الكردي.
البحرين: توترات طائفية واحتجاجات
اندلعت احتجاجات في البحرين احتجاجًا على الحرب ضد إيران، وتحولت بعض المظاهرات إلى أعمال عنف. واعتقلت السلطات عددًا من الأشخاص بسبب منشورات على الإنترنت عبّروا فيها عن معارضة الحرب أو أبدوا تعاطفًا مع إيران.
وتحكم البحرين أسرة ملكية سنية بينما يشكل الشيعة غالبية سكانية نسبية. وقد شهدت البلاد عام 2011 احتجاجات واسعة ضمن موجة الربيع العربي طالبت بإصلاحات ديمقراطية. وردت السلطات حينها بحملة أمنية واسعة، كما دخلت قوات درع الجزيرة بقيادة السعودية للمساعدة في السيطرة على الاحتجاجات.
وترددت شائعات أخيرًا عن عودة تلك القوات إلى البحرين للمساعدة في ضبط الاحتجاجات الجديدة، غير أن تقارير مؤكدة لم تظهر حتى الآن. ويخشى مراقبون أن يؤدي تصاعد التوتر الإقليمي إلى تأجيج الانقسامات الطائفية داخل المملكة الصغيرة.
لبنان: مواجهة محتملة مع حزب الله
فاقمت الحرب التوتر القائم بين الحكومة اللبنانية وحزب الله، التنظيم الشيعي المسلح المرتبط بإيران والذي يمثل قوة سياسية وعسكرية كبيرة داخل لبنان.
وطالب اتفاق وقف إطلاق النار عام 2025 إسرائيل والولايات المتحدة بنزع سلاح حزب الله، غير أن الحزب رفض ذلك. وتدعم الحكومة اللبنانية هذا المطلب خشية استمرار الضربات الإسرائيلية، لكنها تفتقر إلى القوة العسكرية اللازمة لفرض نزع السلاح.
وأطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل في بداية الأسبوع، فردت إسرائيل بضربات واسعة. وفي أعقاب التصعيد حظرت الحكومة اللبنانية أي نشاط عسكري أو أمني للحزب ابتداءً من الثاني من مارس، ما يقرب البلاد من مواجهة مباشرة بين الجيش اللبناني والحزب.
كما تتزايد التوترات داخل المجتمع اللبناني. فقد عبّر كثير من اللبنانيين عن رفضهم للتصعيد العسكري، بما في ذلك بعض أبناء الطائفة الشيعية الذين كانوا سابقًا من داعمي الحزب. وتسببت الضربات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء في نزوح مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان، بينما يواجه النازحون غضبًا شعبيًا متصاعدًا يحمّل حزب الله مسؤولية التصعيد.
احتمالات تصعيد أوسع
يرى محللون أن مقتل خامنئي يحمل أبعادًا عاطفية ودينية عميقة لدى كثير من الجماعات الشيعية المرتبطة بإيران. فبالنسبة لبعض تلك الجماعات يمثل المرشد الأعلى مرجعية دينية وسياسية في آن واحد، ويشبه دوره الروحي بالنسبة لهم مكانة البابا لدى الكاثوليك.
لكن ردود الفعل قد تختلف بين الجماعات الحليفة لإيران. فالحوثيون في اليمن أو حماس في غزة لا يتعاملون مع القيادة الإيرانية بنفس المرجعية الدينية التي تعتمدها بعض الميليشيات الشيعية في العراق أو حزب الله في لبنان.
ويعتقد خبراء أن الجماعات التي ترى في خامنئي مرجعًا دينيًا قد تدفع نحو تصعيد أكبر، خاصة في لبنان والعراق، ما قد يزيد احتمال اتساع المواجهة الإقليمية. أما في دول الخليج مثل البحرين والسعودية والكويت، فقد تبقى ردود الفعل محدودة في شكل اضطرابات صغيرة دون تحولها إلى تحديات مباشرة للحكومات.
https://www.dw.com/en/iran-war-destabilizes-middle-east-politics/a-76250371

